اسرائيل

 
 

إسرائيل تستهتر بالشرعية الدولية وتهاجمها أيضا!

كعادتها في التعامل مع القرارات الدولية فقد استقبلت إسرائيل القرار الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية في "لاهاي"، والقائل بعدم شرعية بناء الجدار الفاصل وبالتعويض عن المظالم التي ألحقها بالمتضررين منه، بنوع من الازدراء واللامبالاة. وبالطبع فإن إسرائيل لم تكتف بذلك إذ إنها اتهمت هذه المحكمة بالانحياز إلى طرف الفلسطينيين وتجاهل "معاناة" الإسرائيليين! منذ قيامها لم تأخذ إسرائيل على محمل الجدّ قرارات الأمم المتحدة، ولا حتى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن الدولي (ذاته)، بل إنها عملت على الضدّ من هذه المواقف، في احتلالها الأراضي (الفلسطينية والعربية)، واعتداءاتها المستمرة ضد الدول العربية المجاورة، وممارساتها القمعية والعنصرية تجاه السكان الفلسطينيين الذين يخضعون لسيطرتها، كما في محاولاتها إدخال تغييرات ديمغرافية في المناطق التي تحتلها.

نتيجة كل ذلك باتت إسرائيل، طوال أكثر من نصف القرن الماضي، تعرّف باعتبارها دولة خارجة عن القانون الدولي، برغم حاجتها الماسة لإضفاء شرعية دولية على سياساتها، وبرغم أنها هي ذاتها استمدت شرعيتها من هذا القانون؛ وفق القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 273 (مايو 1949).

اللافت أن إسرائيل لا تتبنى منطقا دفاعيا في تبريرها لمواقفها السياسية المخالفة للشرعية الدولية، وإنما هي على عكس ذلك تتبنى موقفا هجومياً، يمكن تبين طبيعته في المنطلقات التالية: أولا، تعتبر إسرائيل نفسها دولة صغيرة في محيط معادٍ يحاول تدميرها، ولذلك فهي تروّج إلى أنه من حقها اختيار طريقة دفاعها عن نفسها، في صراع تدّعي بأنه على بقائها، ولو تطلب الأمر تبني استراتيجية غير عادية، من نوع: الحرب "الوقائية" وامتلاك الأسلحة النووية واحتلال أراضي الغير، لأغراض الأمن أو لأغراض أخرى (التحكم بمصادر المياه ـ المراقبة)؛ وغير ذلك من الممارسات القمعية والتدميرية (الحصار ـ الاغتيال ـ هدم البيوت ـ بناء جدار فاصل).

وفي هذا المنطق تحاول إسرائيل الترويج لنفسها باعتبارها ضحية! في حين أن العالم، الذي يشهد على احتلالاتها واعتداءاتها وممارساتها العنصرية، يرفض هذا التزوير المفضوح، ويأبى إعطائها "شيكاً" على بياض في كيفية دفاعها عن نفسها، مهما كانت الذرائع؛ ما يدفع إسرائيل إلى وصم الموقف الدولي بالانحياز للعرب أحيانا، و"اللاسامية" في بعض الأحيان؛ وهو ما حصل مؤخّرا تجاه القرار الصادر عن محكمة "لاهاي".

ثانيا، تتبنى إسرائيل فلسفة مفادها بأن الدول الديمقراطية يحق لها ما لا يحق لغيرها! وهي ترى بأن هذه المقولة تنطبق عليها، طالما أنها تتبنى النظام السياسي الديمقراطي. بناء على هذا الفلسفة فإن إسرائيل تستهجن مطالبة العالم الحر لها (لاسيما أوروبا) بوقف ممارساتها ضد الفلسطينيين والانسحاب من أراضيهم ومنحهم حقوقهم الوطنية، على أساس أن هؤلاء يفتقدون للديمقراطية وأنهم غير مؤهلين للاستقلال ولا يمكن الثقة بالتطورات عندهم!

المفارقة هنا أن "الديمقراطية" في هذا الفهم الإسرائيلي المفبرك تبدو وكأنها في تناقض مع الحرية، في حين أن الحرية هي شرط لازم للديمقراطية. وهذا هو التناقض الذي تدرك إسرائيل أنها لا تستطيع إيجاد حل له من دون أن تجري مراجعة جذرية لمبررات قيامها وشكل وجودها ومستقبلها. فإسرائيل هذه التي تبدو من الخارج على شكل دولة ديمقراطية حداثية علمانية هي من الداخل دولة متأسسة على الأساطير الخرافية وتبرر نفسها بالايدلوجيا الدينية وتبني هويتها القومية على اليهودية، وهي دولة تمارس العنصرية ضد سكانها من غير اليهود وتحتل أراضي الآخرين وتسلبهم حريتهم بقوة السلاح. ثالثا، تحاول إسرائيل إضفاء نوع من وجهة النظر القانونية على مواقفها السياسية، فهي مثلا، تعتبر الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 أراضٍ متنازع عليها، على أساس أن هذه الأراضي لم تكن تحت الولاية الفلسطينية قبل العام 1948، وهي تعتبر قيام إسرائيل نتاج حركة "استقلال" للشعب اليهودي من الانتداب البريطاني، ولذلك فهي تدّعي بأنها وحدّت أراضي إسرائيل التي استعادتها في حرب 1967! أما بما يتعلق بالأراضي العربية المحتلة، فإن إسرائيل تبرر استمرار احتلالها للجولان السورية، مثلا، بأن هذه الأراضي وقعت تحت سيطرتها في حرب شنّتها للدفاع عن نفسها، وأن احتفاظها بهذه الأراضي ضروري لأمنها، وأنها ربما تتخلى عنها في حال عقدت سورية معاهدة سلام مع إسرائيل، بالمواصفات الإسرائيلية، ما يتيح لإسرائيل الثقة بمواقف سورية.

طبعاً لم تنطل هذه الادعاءات السياسية على أحد، ومع ذلك فإن إسرائيل تصر على الاستمرار بتسويقها، برغم من أنها هي ذاتها لم تكن قائمة قبل العام 1948، وبرغم أنه ليس من صلة بينها وبين إسرائيل القديمة، لا من حيث الحدود ولا من حيث البشر ولا من حيث الثقافة.

عموما فإن القانون الدولي هو معطى حديث، مثل الدول الوطنية، وفي شرعة هذا القانون فإن وجود دولة ما في عهد من عهود التاريخ القديمة لا يبرر قيام هذه الدولة في العصر الحديث، لأن معنى ذلك أن معظم دول العالم ليس لها شرعية وأنها ينبغي أن تختفي! والأهم من ذلك أن القرار 273 الصادر عن الأمم المتحدة، والذي منح إسرائيل صك شرعية الوجود كدولة تضمن شرطا قوامه اعتراف إسرائيل بالقرار 181 الخاص بإقامة دولتين في فلسطين، واحدة للإسرائيليين وواحدة للفلسطينيين. بمعنى أن حق الفلسطينيين بإقامة دولة لهم اقترن على الدوام في القانون الدولي بحق إسرائيل في الوجود كدولة. وهكذا فإن الحجج الإسرائيلية الخاصة بسورية هي حجج واهية، أيضا، وهي حجج تليق بدولة استعمارية متغطرسة لا تلق بالا للمعايير الشرعية الدولية.

رابعا، تدرك إسرائيل بأن وقوف العالم في وجهها لن يتجاوز حدودا معينة، إن بسبب مكانتها لدى العالم الغربي، أو بسبب دعم الولايات المتحدة لها. وفي الواقع فإن إسرائيل تلعب على وتر الحساسية الأوروبية تجاه اضطهاد اليهود في أوروبا (لاسيما من جهة النازية)، وهي توظف هذا الشعور التاريخي بشكل جيد، ولا يعرف أحدا متى يمكن أو يتوقف ذلك؛ لاسيما أنه ثمة عوامل أخرى تلعب دورها في هذا المجال من ضمنها انتماء إسرائيل للعالم الغربي من النواحي السياسية والثقافية، وقوة إسرائيل المالية والاقتصادية والتكنولوجية، وبالتأكيد فإنه يمكن إضافة إلى كل ذلك حال الضعف والتشتت وفقدان الإرادة في العالم العربي، والانحياز الأمريكي لإسرائيل، في مواجهتها لأوروبا.

خامسا، لاشك أن تغطية الولايات المتحدة للمواقف والسياسات الإسرائيلية تلعب دورا حاسما في تشجيع حكومات إسرائيل على الاستخفاف بقرارات الشرعية الدولية وتجاهلها.

هكذا عملت الولايات المتحدة على الحؤول دون صدور أي قرار عن مجلس الأمن الدولي يخالف سياسات إسرائيل بشكل واضح، وهي استخدمت حق النقض (الفيتو) أكثر من ثلاثين مرة لتجنيب إسرائيل أي قرار ضدها، وهذا يعني50 بالمئة من عدد المرات التي استخدمت فيها الولايات المتحدة حقها بالنقض في مجلس الأمن الدولي!

أما قرارات مجلس الأمن الدولي التي صدرت بحق إسرائيل، والتي اضطرت الولايات المتحدة لتمريرها في مراحل معينة، فهي لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ بسبب رفض إسرائيل لها بدعم أمريكي، خصوصا وأن هذه القرارات ليست ملزمة بسبب صدورها في إطار الباب السادس من ميثاق الأمم المتحدة، في حين أن القرارات الإلزامية التي تستوجب التنفيذ والتي تستوجب المتابعة من المجتمع الدولي تصدر وفق أحكام الباب السابع (مثلا حال العراق سابقا).

على ذلك لا تحتاج القضية الفلسطينية إلى مجرد قرارات دولية ولا إلى معايير العدالة والقيم الأخلاقية، فقط، لإثبات نفسها، وإنما هي تحتاج أيضا إلى تغيّر في المعطيات السياسية وموازين القوى على الصعيدين الدولي والإقليمي، لأن حصول هذا التغير هو الذي يمكن أن يكبح جماح إسرائيل ويضع حداً لغيها ولتلاعبها بقيم الحرية والعدالة والسلام ولاستهتارها بإرادة الشرعية الدولية.

 
 

استضافة زواج بطاقات ابراج نكت رياضة ريجيم دليل المواقع العربية Articles